قصة قصيرة … ســراب

علي باعوضة

شيء ما يتلألأ أمام ناظريّ .. وتهفو روحي لأحتضانهِ في كُل مرةٍ يغزوني فيها الشوقُ والحنين .. أمام عينيّ أراهُ ولا أستطيع أن أحادثه .. يُخبرني البعض إنه بخير .. وإنهم سيحاولون شفاءهُ وإعادة البسمة على محيّاة ..

يمروّن منتضراً منهم العودة .. لأرى معهم جُرعة الشِّفاء التّي يوعدون في كل مرةٍ بأن يحضروها .. ولكنهم يغيبون للأبد .. ومن عاد منهم لم يعرفني قط ..

يتألم حبيبي أمامي بصمتٍ .. ومع كل تنهيدةٍ يطلقها .. يخر قلبي مغشياً عليه من الوجع .. أشعر ببكاءهُ فتتسلل دموعي هاربةً من المُقل التي تعبت من حَملها .. تسودُّ الدنيا بعينيّ أمام ذلك المشهد القاسي

حبيبي كريماً مُعطاءً .. كل ما مرّ بهِ أحد بذل له كل ما يستطيع .. ولكنّ كل من أخذوا منه شيئاً وعدوه بأن يكونوا قُربه … ولكنهم في كل مرةٍ يخلفون !!

وبعضهم بدلاً من أن يشكرهُ ويعيد له الجميل يقوم بطعنه من الخلف .. تاركاً دماءهُ تتسايل ومعها تتساقط الكثير من الأقنعة في حادث خيانةٍ لا يراه إلّا كل شريف ..!!

لطالما أخبرني أبي أن الذي أمامي الآن جميلاً .. وبتكرار اسمهُ لي أحببتهُ وتعمّقت جذور حبه في غياباتِ الفؤاد .. ولكنني كبرتُ ووقفتُ أمامهُ الآن .. وأشعرُ أنّهُ جميل كما أخبروني ولكن لا أرى ذلك الجمال .. لا أرى سوى الكثير من التشوّهات التّي أفقدتهُ لمعانه ونظارته لا أرى سوى المرض متفشٍ في جسمه .. ولا حيلة له سوى ذرف دموع الحسرة ..!!

مشوّهُ هو بقدرِ الحب الذي أكننتهُ له في داخلي ..
مشوٌهُ هو ومحترق بقدر خذلان الجميع له ..
وكلما حاولتُ أن أنطق إسمهُ وأن أتغنى به .. لم يسمح لي المقام بذلك ..فصورتهُ تبث في النفس الإشفاق .. !!

لم أحتمل النضر إليهِ هكذا .. حاولت أن اقترب منهُ .. أن أضمًد جراحه .. أن أحتضنه .. أن أجعله يبتسم ولكنني ما إن أقتربت منه حتى سمعت صوتاً يقول لي :
.. لا تصدق كل من يمرّ ويحدثك عني .. لا تصدق كل من يقول لك إنه يحبني .. تجاهل من يخبرك أنه يسعى لأن يصلحني ..
لا تصدق أولئك الذين يرفعون إسمي ليل نهار ويتباكون على .. هم ليسوا سواء مرتزقة يقتاتون بإسمي .. !!

إبقَ مكانك ولكن لا تصدق أحداً..
لستُ وطنهم كما يدّعون ..
إنني موجودٌ وأحبهم وأتوقُ لأن
يبادلوني نفس الشعور بصدقٍ
ولكن للأسف حبهم لي
وحرصهم عليّ مجرد سراب .

قد يعجبك ايضا المزيد من مشاركات الكاتب